السبت 25 نوفمبر 2017 م - 07 ربيع الأول 1439 هـ

"فتاة المصنع".. (خان) ينتصر للمرأة والحُبّ

الأربعاء 27/سبتمبر/2017 - 11:09 ص
The Pulpit Rock
أحمد ديباوي
 

إنتاج 2014.. تصوير: محمود لطفي
موسيقى تصويرية: جورج كازازيان
إخراج: محمد خان

هيام (ياسمين رئيس) فتاة فقيرة تعيش في منطقة عشوائية، وتعمل مع زميلاتها الفقيرات مثلها في أحد مصانع الملابس، تبحث بنفسها، كما يبحثن، عن فارس أحلامها، عن الحُبّ، تعيش مغامرته، تعشق تفاصيله بفطرتها التي لم تُخدَش، تتخذه بابًا يفتح على دروب الحريّة التي تنشدها؛ حرية الوجدان لا غير!
ولكن ليس كلّ من تبحث عن الحُبّ تجد الطريق مُعبَّدا؛ فبخلاف أشواك الطريق تصطدم هيام بالمجتمع الذي يرزح تحت نِيِر الجهل والتقاليد البالية، فهذا المجتمع يخاف من الحب، يخشى المواجهة، لا يتقبّل أن تحب هذه الفتاة شابا يفوق طبقتها الاجتماعية، فقد وقعت هيام في حب صلاح (هاني عادل)، المشرف على مصنع الملابس الذي تعمل فيه، وهو ليس ابن طبقة أرستقراطية، لكنه - ويا للبؤس! - من طبقة متوسطة تفوق قليلا الطبقة الاجتماعية التي تُنسَب إليها هيام، وهو ما يدلّ على أننا نمارس تعاليا طبقيا على بعضنا دون أن نحسّ بإثم ذلك، فما أقبحَ تعالي وتكبّر الفقراء على بعضهم بعضا!!
نجح "خان" في أن يُعبّر بفيلمه هذا عن إحساس هيام بالأشياء الصغيرة التي تبدو لكثيرين تافهة وطفولية، كما هي الحال في المشهد الذي يصوّرها وهي تفتح كفّيها لتستقبل زخّات المطر أثناء مشاركتها أمها وهي تنشر الغسيل في البلكونة.
كادرات محمود لطفي، مدير التصوير، نجحت في نقل أحاسيس البطلة وحالتها النفسية؛ فالكادرات في الخارج واسعة، ذات براح، كناية عن توْق هيام إلى الحرية وبحثها الدؤوب عنها خارج قُبح العشوائيات وفقرها وتخلّفها، في ما جاءت كادرات المشاهد الداخلية التي تظهر فيها هيام ضيّقة، محاصَرَة، كناية عن الاستعباد وضيق النفس، فجاءت معظم لقطات "خان" كحلول إخراجية تنبض بالمعاني والدلالات.
وكما هي العادة في معظم أفلام "خان" جاءت الإضاءة طبيعية غير مزيّفة، غير مرهقة للعين، ما أضفى على معظم المشاهد صدقًا بصريّا رائعا.
تنويعات الموسيقى التصويرية في الفيلم كانت جديدة مُبهِجة، ولعل مرجع ذلك إلى استخدام "جورج كازازيان" آلات موسيقية غير نمطية كالهارمونيكا والأكورديون والبيانو، لكن في المقابل كان الإسهاب في استخدام أغنيات السندريلا الجميلة سعاد حسني غيرَ موفّق، فعلى الرغم من جمال وبهجة أغنياتها التي ظهرت في خلفية بعض المشاهد، مثل: يا واد يا تقيل.. أخدنا أجازة.. عايزين نحبّ....، إلا أن الإسهاب في استخدامها أفْقَدَ الفيلمَ بعضًا من سيولته الدرامية، بأن جعلها مباشِرة في بعض المشاهد.
برع السيناريو وبرع الإخراج في الرمز إلى جدّة هيام بالموروث البالي من العادات والتقاليد البائسة؛ فمن أقوى مشاهد الفيلم مشهد جزّ شعر هيام بيد جدتها أم أبيها المتوفَّى، كما لو كانت تجزّ عنق حيوان، إذ صوّر المشهد الجدة وهي تضع قدمها فوق خدّ هيام الأيسر، لتتمكّن من جزّ شعرها الطويل، كأن هذا الشعر دلالة على الحرية، وفي جزّه- من وجهة نظر الجدّة/ العادات والتقاليد- دلالة على التأديب والزجر!!
قصة الفيلم نمطية، لا ننكر ذلك، لكن عبقرية "خان" الفنية بثّت الرُّوح فيها، كما أنّ هيام لم تكن مستسلمة، بل كانت قوية وإن دفعها المجتمع الطبقي الجاهل إلى الواقعية وعدم التطلُّع إلى الأعلى، (هنحبّ على قدّنا بعد كده!!)، ويكفي للدلالة على قوتها مشهد رقصها في فرح حبيبها "صلاح" بعيون لامعة تشعّ قوة، فقوّتها تولَد من رحم انكسارها.
لعلّ أداء الممثل "هاني عادل" كان أضعف أداءٍ تمثيلي في الفيلم؛ فقد جاء أداؤه جامدا آليًّا بلا رُوح في أكثر من مشهد، لكنه على أيّ حال ليس ممثلا محترفا، بل هو موسيقيّ بالأساس!!
يقول "خان": لقد صنعتُ فيلما عن قصة حب، يُظهِر الطبقية حتى بين الطبقات الفقيرة نفسها، ويبيّن صعوبة أن يتقبّل الناس قصة حب، وكيف أنّ بطلتي تُحرّر نفسها - على الأقلّ - وجدانيا".
أهم عيوب الفيلم، من وجهة نظري، اعتماد مخرجه "خان" على التصوير في مصنع حقيقي، بل إنه استعان بعاملات المصنع الحقيقيات بالظهور ككومبارسات، وهو أمر يؤثر بلا شك على دلالات تكوين المشاهد وإيحاءاتها، فالاستسلام لتصوير المشاهد في مصنع الملابس الحقيقي دون الاستعانة بمدير فني ذي إمكانيات عالية يستطيع وضع لمسات من الاكسسوار أو الديكور أو ما شابه، جعل الدور الدلالي لبعض المشاهد غائبا، ولولا بعض الكادرات العبقرية لمحمد خان لافتقد الفيلم جوانب كثيرة درامية وجمالية!!

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية