الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - 05 محرم 1439 هـ

"ضوء القمر" .. المثلية بديلاً عن واقع أليم

الخميس 23/مارس/2017 - 04:58 م
The Pulpit Rock
دعاء حلمي
 

دائما ما يرمز نور الشمس الى الرؤية الواضحة والعلانية بعكس ضوء القمر الذي يخفي أكثر ما يظهر، رامزا لكثير من الشاعرية والعوالم الموازية الاكثر غموضا وتخفيا ولكنه ايضا يجعل الأشياء مائلة الى الزرقة بكل ما يحمله من مترادفات للهدوء والسلام الداخلي والقوة أيضا، تلك هي الفكرة الأساسية والرسالة الضمنية التي يحملها فيلم "ضوء القمر" المأخوذ عن رواية «تحت ضوء القمر.. الأشخاص السود يبدو لونهم أزرقًا»،  تأليف تارل ألفين مكرايني

والذي عمل على تحويله إلى فيلماً سينمائيأ خالصاً هو مؤلفه، ومخرجه باري جينكنز، دامجاً جزء كبير من قصة حياته الخاصة لشخصية البطل، فقد نشأ في بيئة اجتماعية مماثلة تحديداً بولاية ميامي  حيث الاكثرية لأصحاب البشرة السمراء من أصول أفريقية وانتشار المخدرات،   كما إنه ولد لأم مدمنة كما ولد "شيرون" بطل الفيلم وهو ما جعل الفيلم ممزوجاً بالواقعية الميلودرامية من خلال استعراض حياة البطل في ثلاثة فصول هي "ليتل ، تين، بلاك".

يقدم الفصل الأول شيرون طفلاً - الممثل الكيس هبرت - الذي يظهر مطارداً من زملاءه مختبئاً منهم في أحد المنازل المهجورة، فيجده "خوان" تاجر المخدرات الذي، يلعب دوره ماهرشالا علي، ويتعاطف معه ويقرر اصطحابه لمنزله، فيفاجأ برد فعل أمه الغاضب تجاهه لنكتشف أنها مدمنة، والتي قامت الممثلة " ناعمي هاريس" بالدور وصورت دورها في ثلاثة أيام فقط ، أما والده فهو غير معلوم الهوية. ظل الطفل الصغير بعالمه المغلق على أمه التي تظهر طوال الفيلم دون اسم لها بدلالة واضحة إلى أنها أيضا بلا دور مؤثر في حياته سوى دور سلبي يتسبب في نشأته ضعيفا مطاردا من زملاءه، ليظهر الطفل شيرون صامتا في أغلب مشاهده، وينتهي الفصل الأول بتعليم خوان له السباحة في البحر في مشهد شاعري تم تصويره من خلال كاميرا مختبئة خلف الأمواج وكأنها تتلصص على تلك اللحظات التي يشعر فيها شيرون بالأمان وإحساس خوان الابوي تجاهه. ننتقل بعدها لشيرون في الفصل الثاني مراهقاً، وقدمها الممثل الشاب "أشتون ساندرز" حيث التعامل مع مفردات المراهقة والعنف والمخدرات والأسئلة حول الحياة الجنسية أيضاً، ولكن تظل حياته بسيرتها الأولى بلا تغييرات جوهرية عدا اقترابه من صديقه "كييف" ليقيما علاقة حميمية تحت ضوء القمر ليجد من خلاله الجانب المفتقد في حياته وهو الحب وينتهي الفصل الثاني بدخوله للسجن بسبب ضربه لمن يطارده طوال الفيلم منتقما منه لندخل بعدها للفصل الثالث "بلاك" والذي يقدمه الممثل"شيريف ارب" ليظهر شابا مفتول العضلات اكثر قوة بعد خروجه من السجن ليمتهن تجارة المخدرات مثل أبوه الروحي"خوان" الذي فقده هو الأخر بسبب وفاته لينتهي الفيلم بعودته مرة أخرى لصديقه ليمارس مع العلاقة الحميمية على ضوء القمر بعد سنوات طويلة لم يمارس فيها الجنس لأن علاقته بصديقه لم تكن قائمة بالأساس على الجنس ولكن على الحب، وهي قضية الفيلم الأساسية، صحيح أنه يتضمن مواضيع عالمية حول الهوية، والحياة الجنسية، والأسرة، ولكن كان افتقاد البطل للرعاية من أمه،  ودور الأب في طفولته، والقدوة في المراهقة ، والحب الحقيقي في شبابه جعلت منه نموذجاً مجسداً لتبعات غياب كل ذلك ولذلك لم تكن الصورة تحتوي على تركيبات بصرية عالية بقدر الاهتمام بالحوار العميق المعبر عن الحالة النفسية الخاصة التي يعيشها البطل، فالقصة هي البطل في كل مراحل حياته وهو ما جعل الفيلم يرشح لثمان جوائز أوسكار حصل منها على ثلاثة، الأولى جائزة أحسن فيلم وجائزة أحسن سيناريو مأخوذ عن رواية أدبية، وجائزة أحسن ممثل مساعد لمهارشالا علي، بالإضافة إلى حصوله على عدد من الجوائز الأخرى منها جائزة الجولدن جلوب لأحسن فيلم.

 دخل "ضوء القمر" قائمة الأفلام التي تفوز بالأوسكار ذات التكلفة الانتاجية المنخفضة، فقد تكلفت ميزانية العمل فقط خمس ملايين دولار، وهو مبلغ ضئيل  مقارنة بحجم الفيلم، حيث يعد ثاني فيلم ذات تكلفة منخفضة في تاريخ الأوسكار يفوز بالجائزة، في حين أن صاحب المركز الاول هو فيلم " مارتي" .

ومن المستبعد ان يعرض بدور العرض في الدول العربية بسبب قضيته التي تطرح الشذوذ بشكل اساسي وشاعري في نفس الوقت وهو ما يكون عائقا امام عرضه بدور العرض العربية.

"ضوء القمر" هو الفيلم الثاني لمخرجه جنكينز بعد فيلمه الأول "دواء للاكتئاب" والذي قدمه عام 2008 بصحبة المصور جيمس لاكستون، والذي لعب دور أساسي في جودة الفيلم، حيث تظهر كل مرحلة عمرية للبطل بأسلوب مختلف في التصوير تعبر عن صفات كل مرحلة، ففي الفصل الأول، تتقلص الكاميرا مع شيرون الصغير لإظهار كيف يتعامل كصغير في عالم مرعب، بالإضافة لمشهد السباحة، وفي الفصل الثاني، تتحرك الكاميرا باهتزاز واضح متعقبة التوتر النفسي لشيرون المراهق، ترتبط به ارتباطًا وثيقًا وهي تتبعه خلال هذه الفترة الانتقالية الصعبة، ولكن سرعان ما تتحلى الكاميرا بالثبات و الوضوح الكامل عندما يكون شيرون مع كيفن، وهو ما يتضح بشدة فى الفصل الأخير من الفيلم

لتبقى قصة الفيلم هي البطل الحقيقي والسبب الأول لانتزاع الفيلم للاوسكار من منافسه الاقوى لالا لاند، وهو ماعزاه كثير من نقاد السينما الى كونه معنيا بقضية تمس الاقليات في رسالة سياسية بالاساس وليس لأنه الأكفأ فنيا وهو ما سيظل مثارا للجدل غير المحسوم.

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية