السبت 25 نوفمبر 2017 م - 07 ربيع الأول 1439 هـ

فيلم "Mon Oncle" .. لوحات فنية متحركة

الخميس 09/مارس/2017 - 01:50 م
The Pulpit Rock
محمود محمد الشافعي
 

الفيلم يحمل صورة سينمائية بديعة من حيث الكادرات وعناصر الصورة وتكويناتها حيث أنك إذا قمت بإيقاف الصورة في أيٍ من لقطات الفيلم ستجد لوحة فنية أشبه باللوحات الزيتية لكبار الرسامين التي تصف شوارع وحوارى فرنسا.

الفيلم من إنتاج عام 1958 ومن إخراج جاك تاتي ومن كتابته وتمثيله في دور البطولة حيث أنك تجد روحه ناضحة في كل أرجاء كادرات الفيلم سواء تواجد بها بتمثيله وتلقائيته أم لم يتواجد.

الفيلم بسيط للغاية في أحداثة ولا يحمل ذلك القدر من التعقيد الذي يستلزم منك التفكير والتساؤل. لم يرغب جاك تاتى في أن يُفسد على مُشاهدى الفيلم تلك المتعة السينمائية الخالصة الناتجة عن متابعة مشاهده الحية الناطقة دون اللجوء إلى الكثير من الحوار, فالحوار بالفيلم أشبه بالتوقفات لإخبارك بما يحدث في لقطات مُنفصلة على طريقة الأفلام الصامتة. فالحوار هو مجرد وسيلة لإيضاح الأشياء لأن الأهم بذلك الفيلم هو الصورة لا غير, الصورة بكل مكوناتها من ملابس وديكورات وأداء الممثلين، ورغم التكرار لأشياء تحدث طوال الفيلم، لكنها في كل مرة تترك داخلك إنطباعاً جديداً وأثراً غير الذي أحدثته من قبل.

ليست الصورة وحدها ما تحقق المُتعة بذلك الفيلم, فالموسيقى أيضاً تُشكل حالة من الانسجام الخالص مع تكوينات وكادرات الفيلم. فتلك الموسيقى فرنسية الطابع الهادئة الناعمة التي تكاد تُعزف بآلة موسيقية واحدة عادة يُصاحبها صوت خافت لآلة أخرى في الخلفية, والتي تُذكرك بالعازفين المهرة الذين يعزفون بإصبع واحد على نوتات البيانو. كانت لكل حالة في الفيلم موسيقاها الخاصة بالإيقاع الخاص بها، حيث ينقسم الفيلم بين عالمين لا يربطهما سوا البطل وإبن أخته والكلب, ففي عالم أشبه بكونه بلاستيكى أوتوماتيكى كل شئ يتحرك فيه بحركة ميكانيكية محسوبة يفتقد للجانب الإنسانى، حيث الأب صاحب مصنع الخراطيم وزوجته ربة المنزل التي تهتم بكل تفاصيل بيتها الجديد الحديث المتطور بشكل قد يُصيبك بالإرهاق في تفاصيله الميكانيكيه ومن ناحية أخرى نجد إبنهم الصغير، والذي هو أكثر إرتباطاً بخاله وعالمه الذي يعيش بأحد الأحياء الشعبية في فرنسا بتفاصيلها العشوائية الغاية في الجمال, فالناس يسيرون في الشوارع ويفعلون ما يريدون. نجد الخال يتنقل ما بين العالمين بشخصيته المنتمية للعالم الثاني دون تغير حيث يساعد أخته في إحضار إبن أخيه من المدرسة لإنشغال الأب. كما نجد الكلب الخاص بتلك الأسرة الميكانيكية الذي يرتدى نوعاً من القمصان الحمراء المُعدة له خصيصاً وهو يخرج كثيراً ليُرافق كلاب الأحياء الشعبية في حياة الشارع لملله من الحياة الأخرى وشعورة بالوحدة وهو شعور مُتأصل بذلك الفيلم في العالم الميكانيكى الأول حيث تشعر أن كل عناصره تفيض بالوحدة حتي نافورة المنزل التي لا تعمل إلا للضيوف خصيصاً، على عكس العالم الأخر الأكثر حيوية من الخال الذى يعيش بغرفة أعلى سطح إحدى المنازل، حيث تجد في صعوده المنزل ونزوله منه ما يجعل الحياة أكثر بهجة، إلى عامل النظافة المُمسك دائماً بمقشته وكوم من القمامة بجواره يَنتظر أن ينتهى منه ولكنه لا يفعل أبداً لإنشغاله بإنهاء الأحاديث مع بعض الناس ممن يُحيطون به.

الفيلم مُتعة خالصة بكل تفاصيله، فإلى جانب النافورة التى تعمل للضيوف، والضيوف الهامين فقط، وعامل النظافة الذى لا يستعمل مقشته مُطلقاً، والكلب الذى يُعبر بشكل صارخ عن الانفصال بين العالمين، نجد أيضاً السكرتيرة التي تركض بخطوات مُتقاربة سريعة وهى تنقر بالكعب الطويل لحذائها، حتى وإن كانت تتحرك داخل نفس الغرفة، والرجل العجوز الذى يحمل رغيف الخبز الفرنسى ضمن مُتبضعاته الصباحية وهو يُشير للسيارة لتقف، وتحركه بالخطوات البطيئة من مُقدمة السيارة لمؤخرتها للإشارة للسائق والأطفال الصغار وألعابهم التي يؤذون بها بعض المارة بنوع يجعلك سعيداً لسعادتهم وغير مُهتماً لما دون ذلك، والبغبغاء الذي يُغرد عندما تنعكس أشعة الشمس من شباك الخال على قفصه في طريقة تجعل للحياة معنى وإن كانت داخل قفص والسور المُهدم والذى يمر عليه الخال في طريقة من عالمه للعالم الأخر والبايب الخاص به الذى غالباً لا يكون مُشتعلاً وضرباته للبايب بكعب حذائه. كل تلك التفاصيل وغيرها تجعلك أكثر تعلقاً بما تراه وتخلق لديك نوعاً من الفضول بأن تكون هناك داخل هذا العالم.

هذا الفيلم ليس من النوعية التى تنتظر منها ما هو قادم أو من سيفعل ماذا، إنه فيلم ليس كباقى الأفلام فهو أقرب لأفلام شارلى شابلن التي تشاهدها وتستمتع بها فقط، وتتمنى لو أنه لا ينتهى. فهو مجموعة من اللوحات الفنية الرائعة التي لا تكاد تُفارق خيالك بسهولة ذلك إلى جانب رأسك التي تجدها تتحرك يميناً ويساراً بإنسجام مع الموسيقى التي تماثل الفيلم في بساطتها وعذوبتها.

ينتمي هذا لنوعية الأفلام التى لا يستطيع كتابتها سوى مُخرجه،  حتى يستطيع خلق الصورة التى لا يمكن  لسواه تنفيذها، فهذا الفيلم لا يحتمل تواجد رؤيتين للصورة التي كُتبت في خيال جاك تاتى وطبعها على الورق ثم قام بتنفيذها ثم شاهدناها فضلاً عن تواجده داخل كثير من المشاهد كبطل الفيلم.

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية