السبت 25 نوفمبر 2017 م - 07 ربيع الأول 1439 هـ

"In Cold Blood" للحقيقة لون آخر

الإثنين 27/فبراير/2017 - 04:27 م
The Pulpit Rock
محمود محمد الشافعي
 

من قد يقتل أربعة أشخاص بدم بارد من أجل راديو و40 دولار؟

- في هذه الأيام! تستطيع أن تختار أياً من كان يعبر أحد الشوارع المزدحمة.

ذلك الحوار يدور بين إثنين من المحققين في مشهد من فيلم In Cold Blood والذي تم إنتاجه عام 1967 وهو الفيلم المأخوذ عن رواية الكاتب الأمريكى ترومان كابوت والتي أصدرها عام 1966 عن وقائع جريمة قتل حقيقية حدثت عام 1955 بكنساس بالولايات المتحدة الأمريكية.

إختار المخرج الأمريكى ريتشارد بروكس طرح فيلمه باللونين الأبيض والأسود, فالخير واضح والشر واضح, شخصين قاما بجريمة قتل عائلة مكونة من أب وأم وإبن وإبنة وذلك بغرض السرقة التي لم يتحقق منها سوا راديو وأربعين دولار, وفي أحداث الفيلم نرى الشرطة تسعى للبحث عن القاتلين اللذان إعتقدا أنهما لم يتركا خلفهما أى أثر بقتلهما جميع الشهود, ولكن هل بالفعل لم يتركا أى أثر وهل بالفعل الخير واضح والشر واضح كما يستطيع أن يُميزه الجميع, هل لوني الأبيض والأسود بهذا الوضوح كما نريد أن نراه أم أنه يتخللهم بعض الدرجات التي تصنع ألواناً أخرى تنتمى للفجوة الهائلة بين اللونين الأبيض والأسود.

بملامحه المكسيكية الأقرب للهنود الحمر من غيرها, وبقصة رأسه التي تُشبه قَصة رأس ألفيس بريسلى ذات القُبة الأمامية ببعض الخُصل المُتدلية وجيتاره الذي يحمله معه دوماً وأغراضه التي تحتوى على بعض من أعماله الفنية والتي يَحلم أن يتجه بها لفيجاس ليحقق حلمه بأن يُصبح مُغنياً بأحد مسارحها, وجرح قديم قوى بقدميه نتيجة حادث موت كان قد تعرض له بموتوسيكل عقب عودته من حرب كوريا والتي شارك بها, ذلك الحادث الذي ترك أثراً غائراً بقدميه يجعله يعرج بهما بوضوح مما يدفعه لتناول بعض حبات المُسكن في شكل أقرب للإدمان للتغلب على الألم النابع من قدميه, وأضف إلى ذلك إتقانه فن الرسم. ذلك هو "بيرى" القاتل الذى إستعان به صديقه قديماً في الحبس "ديك" لمعرفته بأنه يستطيع القتل لأنه قتل رجلاً من قبل. فهل يبدو لك قاتلاً وهل يبدو أنه ذلك الشخص الذى يستطيع أن يقتل. لأخر لحظة قبل تنفيذه تلك العملية حتي نهايتها وأنت تشك أنه قد يفعلها وأن ديك الذى يبدو أكثر جنوناً ومجوناً وسعياً خلف المال هو من يفعلها دون تردد. لكن بيرى كان مُحملاً بالكثير من الإسوداد (الشر) الناضح على لون معطفه الذى يرتديه أغلب الوقت, ففي ماضيه وتاريخ أسرته ما قد يجعله ذلك الشخص بالإضافة إلي شخصيته التي تبدو حساسه للغاية مما جعله سهل الكسر.

لجأ ريتشارد بروكس المخرج وكاتب السيناريو نقلاً عن الرواية إلي تعتيم الجانب الخاص بتفاصيل الجريمة وتأجيلها حتى قرب النهاية, فجعلك تبحث مع الشرطة عن القاتلين مُستخدماً بعض الأدلة غير القوية وعلى الجانب الأخر تعايش حياة مرتكبى الجريمة عن قرب قبل تنفيذ العملية وبعدها, فأنت المشاهد صاحب الرؤية الأوسع والنظرة الأشمل بين كلا الجانبين الذى يُمثل أحدهما الخير والأخر الشر فأنت تقع في المنتصف في حالة ما تجعلك أقرب للحكم. الأمر يبدو سهلاً ولكنه أكثر تعقيداً مما يبدو, فلو سألت نفسك بعدما أدركت كل المعطيات مع إخفاء جانب تفاصيل الجريمة المُتعمد من صانع الفيلم فإنك ربما تجد نفسك أكثر تعاطفاً مع مرتكبى الجريمة وبالأخص بيرى ربما يخفت ذلك الأمر مع المجرم الأخر ديك وذلك يعود لسبب طبيعى وهو تركيز كاتب الرواية على جانب شخصية بيرى لأنه القاتل الرئيسي ولأنه صاحب التركيبة الفريدة ولكن ذلك قد يكون أضفى نوع من التميز في إدراك الخير والشر بالفيلم فتعاطفنا مع بيرى نابع من تعمقنا بتفاصيل حياته وشخصيته أم ديك فعايشناه من على السطح فربما يحمل بعض تلك التفاصيل التى قد تجعلنا نتعاطف معه بالمثل. كما أن إخفاء جانب الجريمة لأن صانع الفيلم أراد للمشاهد ألا يُصدر حكمه على شخصياته قبلما أن يكتمل تورطه معهم وبالأخص بيرى. فالمُشاهد يعلم بإرتكابهما لعملية القتل ولكن إخفاء التفاصيل يجعله في حيرة فيما كيف تمت خطوات التنفيذ ومن أكثر تورطاً من غيره ومن نستطيع أن نُصدر له صك الغفران ورغم ميل المشاهد لإصدار ذلك الصك ناحية بيرى حيث كل المؤشرات تُشير لذلك يحدث العكس ونكتشف أن بيرى هو الأكثر تورطاً وديك لم يكن أكثر من منبهراً بأداء بيرى في التنفيذ.

بطل الفيلم من الناحية البصرية هو الإضاءة, فالإضاءة الجانبية والتي تطبع خيالات الأشخاص المتواجدين على الحوائط أو أى ما كان لتأصيل فكرة أن أى حد قد يقع مكان هؤلاء الأشخاص بقاتليهم ومقتلويهم ومحققيهم, يُمكن لتلك الحياه أن تتكرر على مناحى مختلفة, كانت الإضاءة أحياناً تخفت أو تقوى قليلاً وتنخفض لتبرز أحد الأشخاص في صورة الوحش المُتجسد في خياله المُتعاظم الذى نراه ينبع منه.

يدين الفيلم بصورة واضحة عقوبة الإعدام والتي تُلحق الأذى بمجموعة أشخاص لإلحاقهم الأذى بمجموعة أشخاص أخرين, ولكن ماذا عن الأذى الذى تعرضوا له ليصبحوا هكذا, فعقابهم الكافى أنهم أصبحوا على هذه الحال دون غيرها, فكفى بالشخص أذاً واحد يُعانيه ولكن إضافة معاناة الإنتظار والموت المُتكرر قد تكون أكثر مما يستحقه هؤلاء المدانين والدائنين لمجتماعتهم وأسرهم ومن ساهم في خلقهم على صورة وحوش ترغب في الإنتقام مما وقع عليها.

ذلك هو الفيلم هو الذي تمت صناعته عن تلك جريمة القتل الحقيقية نقلاً من رواية الكاتب الأمريكى الشهير ترومان كابوت وكان الفيلم نقلاً للتفاصيل المحيطة بالجريمة من أعين القتلة والمحققين فإذا أردت رؤية الأحداث من أعين الكاتب وفي صورة سينمائية بليغة فعليك مشاهدة فيلم Capote إنتاج عام 2005 ومن بطولة فيليب سيمور هوفمان والذى نال عنه جائزته الأوسكارية الوحيدة والمستحقة عن جدارة في واحده من أروع الأدوار التى قُدمت على شاشة السينما.

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية