الخميس 17 أغسطس 2017 م - 25 ذو القعدة 1438 هـ

عصام زكريا يوميات من كان :ابن شاول الأفضل و"بحر الأشجار" الأمريكي الأسوأ

الإثنين 18/مايو/2015 - 11:47 ص
عصام زكريا
 
كالعادة...مهرجان "كان" أشبه ما يكون بمولد سنوي للشيخة سينما، والعالم هنا مثل مجاذيب المولد. يتوافدون، يتهافتون، يتزاحمون، ويصطفون في طوابير بالساعات أمام قاعات العروض ومبنى الصحفيين وقاعة الندوات ومطاعم وكافيتريات المدينة التي تبدو، لو نظرت إليها من فوق الجبل، أو من طائرة شراعية مثلا، كما لو كانت عشا للنمل.
في لحظات الذروة عندما يحتشد النجوم على السجادة الحمراء تتحول شوارع الكروازيت المواجهة لقصر المهرجان إلى "الليلة الكبيرة" حيث لا توجد مساحة قدم خاوية، وتتوقف حركة السيارات والمشاة، ولو علقت بالصدفة وسط المارة فلن تستطيع الخروج من كتل اللحم بسهولة. ولكن الفارق أن كتل اللحم هنا ذات وجوه وأجساد ممشوقة وأحيانا عارية وجذابة.
ربما يتسم المولد برائحة البخور والمسك والعرق الثقيل. الزحام هنا له رائحة ثقيلة تتكون من أفخر أنواع العطور الفرنسية ورائحة الأجساد الشابة.
مثل المولد يوجد بين الزحام الأعمى مريدون مخلصون، وهناك نصابون، طامعون في مصلحة أو شهرة، أو حتى صورة مع نجم عالمي يتمنظرون بها أمام أصحابهم أو يعلقونها في غرف نومهم.
هناك أيضا أهل الطريقة، المتبحرون في علم السينما والفنون، وهناك البسطاء والعوام، والشحاذون أيضا. لكن الشحاذين في "كان" يرتدون فساتين سواريه وبدل سموكنج وبعضهم ينافس نجوم الأفلام في الأناقة والجمال، وكل ما يأمل فيه هؤلاء هو تذكرة مجانية لأحد أفلام المهرجان، وبعضهم يحدد مسبقا اسم الفيلم الذي يشحذ تذكرته.
كنت أفكر في المقارنة بين "كان" والمولد عندما التقيت هنا مصريا بسيطا من طنطا جاء إلى المهرجان بصبحة زوجته وأطفاله ليفرجهم على النجوم والسجادة الحمراء. استمع إلى حواري مع صديق مصري فبادر بتحيتنا وبدت عليه السعادة وهو يتحدث بالعربية ويروي تجربته في الحياة في مدينة "كان".
قلت لصديقي: في مصر لا يمكن أن يذهب أمثال هذا الرجل للفرجة على مهرجان "القاهرة" أو غيره من المهرجانات الفنية، ولكن حمى السينما أصابت الجميع في هذه المدينة المجنونة بالسينما.
صور النجوم في كل مكان، والجرافيتي على البيوت عبارة عن مشاهد من أشهر الأفلام، وبجانب ملصقات المهرجان التي تصافح عينيك بين كل متر ومتر، على محطة الأتوبيس شاشات تعرض لقطات للنجمة الأمريكية السويدية إنجريد بيرجمان، بطلة بوستر هذا العام، التي يحتفل المهرجان بمرور 100 عام على مولدها.
مهاويس الشيخة سينما أكثر من الهم على القلب هنا. أحدهم يتنكر في هيئة الممثل الراحل روبن ويليامز في فيلم "السيدة داوتفاير". هل تعرفون هذا الفيلم؟ روبن ويليامز يلعب فيه دور رجل مطلق يتنكر في هيئة مربية أطفال حتى يستطيع البقاء مع أطفاله. رجلنا في "كان" تنكر في هيئة المرأة التي تنكر في هيئتها ويليامز، وراح يجوب الشوارع في محاولة للفت أنظار المارة وتحياتهم. رأيته للمرة الأولى في الأتوبيس. كان جالسا على بعد خطوات واعتقدت في البداية أنه سيدة عجوز ترتدي ملابس عتيقة الطراز ثم اعتقدت أنه أحد المثليين أو المتحولين جنسيا، وعندما طلبت بعض الفتيات التقاط صورة معه انتبهت أخيرا للفكرة العجيبة التي قرر أن يبحث بها عن الشهرة.
مثل المولد، الكل يعاني في "كان"، من التزاحم والجري من مكان إلى مكان، وضيق الوقت، ومستوى الأفلام. ولكن كل هذا يهون ويتلاشى أمام لحظة سعيدة من الجمال الفني الذي يخطف الروح، مثل لحظات "وصل" العاشق أو الصوفي.
حتى الآن لم تأت هذه اللحظة إلا قليلا.
رحلة إلى جهنم!
عصام زكريا يوميات
فضل فيلم في المهرجان حتى الآن هو الفيلم المجري "ابن شاول"، وهو العمل الأول للمخرج لازلو نيميس الذي يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما، والذي عمل لسنوات طويلة كمساعد للمخرج المجري الكبير بيلا تار، المعروف بأفلامه الجادة والمجددة.
"ابن شاول" يدور في معسكر الإبادة النازي "أوسشفيتز- بيركناو" بالقرب من نهاية عام 1944 ، حيث يتم إجبار عدد من اليهود المعتقلين على مساعدة النازيين لحرق جثث الضحايا، ويكتشف أحد هؤلاء، وهو "شاول أوسليندر" وجود جثة طفل يعتقد أنه ابنه، ويدور الفيلم خلال يوم واحد يقوم فيه شاول بالبحث عن حاخام يصلي على ابنه ليدفنه حسب الشريعة اليهودية بدلا من أن يحرق مع الآخرين.
دعك من القصة ومن موضوع اليهود والنازي الذي بات مستهلكا. هذا فيلم فريد من نوعه وفي لغته وأسلوبه السينمائيين. وهو ليس فيلما بقدر ما هو رحلة يقطعها المخرج، والشخصية الرئيسية، والمشاهد إلى قلب الجحيم.
يعتمد المخرج على الكاميرا المحمولة معظم الوقت، وهي كاميرا تكاد تلتصق بالشخصية الرئيسية فلا نستطيع الابتعاد عنه ولو للحظة، والعالم من حوله يعج بالجثث العارية والأفران والرماد وجنود وضباط النازي الساديين كما لو كانوا زبانية الجحيم، والجو كابوسي خانق كما لو كنا قد انتقلنا إلى جهنم بالفعل. وفوق ذلك كله لا يسعى صانع الفيلم إلى أي مؤامات أو مصالحات أو تطهير للمشاهد من أي نوع. وبدلا من التعاطف المتوقع مع شاول، نفاجأ في مرحلة من الفيلم بالتشكيك في أن الطفل ابنه، وبقواه العقلية، وبدلا من الفكرة الدينية والسينمائية المعتادة بأن انقاذ شخص، أو روح شخص، واحد هو بمثابة انقاذ للناس جميعا، يصدمنا الفيلم بأن هذا لا معنى له طالما أن هناك عشرات ومئات وملايين يموتون ويتعذبون في هذا العالم دون أن يحاول انقاذهم أحد.
الفيلم يتسم كما ذكرت باسلوبه السينمائي المبتكر، خاصة في التصوير والاضاءة والألوان وحركة الكاميرا والأصوات المصاحبة التي تكمل الصورة وتثير خيال المشاهد طوال الوقت، والموسيقى التصويرية الناعمة والخافتة وقبل هذا وبعده الممثل جيزا روريج الذي جسد دور شاول أوسليندر. ورغم أن المهرجان لم يزل في أوله إلا أن "ابن شاول" سيكون له مكان بالتأكيد في حفل توزيع الجوائز في ختام المهرجان.

عصام زكريا يوميات
سلمى حايك تأكل قلب الوحش
من إيطاليا يأتي فيلم "حكاية الحكايات" الذي قوبل بردود فعل مختلفة ما بين الاعجاب الشديد والاستياء.
الفيلم مأخوذ عن كتاب بنفس الاسم يعود إلى القرن السابع عشر الميلادي من تأليف الايطالي جيامباتيستا باسيلي الذي قام بجمع عدد من الحكايات الشعبية الخرافية وضمها في الكتاب الذي سيصبح فيما بعد نموذجا لكتب القصص الشعبية كما نجد عند الفرنسي شارل بيرو والسويدي هانس كريستيان أندرسون والألمانيين الأخوين جريم.
الفارق أن "حكاية الحكايات" لم يكتب للأطفال، ولم يتعرض للتنقيح والتهذيب الذي تعرضت له النسخ الأحدث، وهو يحتوي على خيال جامح مرعب ومثير حسيا لأقصى درجة.
المخرج الايطالي الشاب ماتيو جاروني، معروف بأفلامه الواقعية شبه الوثائقية، وعلى رأسها فيلم  "جومورا" الذي يدور حول الجريمة المنظمة في إيطاليا، والذي حصل عنه على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان "كان" عام 2008. ولكن جاروني يبدو مختلفا تماما في "حكاية الحكايات"، وهو أول فيلم ضخم وعالمي الانتاج يقوم بصنعه، حيث قام باختيار ثلاث قصص من كتاب "حكاية الحكايات" وقام بتضفيرها معا في شكل متواز. الحكاية الأولى تلعب بطولتها سلمى حايك وجون سي رايلي وتدور حول ملكة تريد أن تنجب بأي وسيلة ومهما كان الثمن، حتى لو كان قتل والتهام قلب وحش بحري بشع. الحكاية الثانية حول ملك مشغول بحيوان غريب قام بتربيته لدرجة أنه يهمل ابنته ويتسبب في زواجها من رجل بدائي متوحش، أما الحكاية الثالثة فتدور حول ملك مهووس جنسيا يلعب دوره الفرنسي فينسنت كاسيل يقع في حب إمرأة بعد سماع صوتها المثير غير مدركا أنها عجوز شمطاء.
من الصعب الحديث عن الخيال الموجود في الفيلم دون تلخيص الحكايات أو كشف حبكتها، ولكن يكفي القول أن هذا واحد من أكثر الأفلام خيالا وتأثيرا وإرعابا، بالرغم من عشرات أفلام الرعب والخيال التي تصنع كل عام في هوليوود وخارجها.
ربما يعاني الفيلم من بعض المشاكل، وربما لا يناسب العرض في مسابقة مهرجان "كان"، ولكن المؤكد أنه فيلم كبير ومختلف فيما يتعلق بهذه النوعية من الانتاج الكبير، الذي يعتمد على التكنولوجيا الرقمية والمؤثرات البصرية والمرصع بأسماء كبارالنجوم.

عصام زكريا يوميات
سقوط صاحب "الفيل
للأسف، من الواضح أن تيري فريمو المدير الفني الجديد للمهرجان مشغول بحشد الأسماء الكبيرة أكثر من اهتمامه بالمستوى الفني، ولذلك نجد في المسابقة تفاوتا كبيرا في المستوى ما بين الأفلام البديعة التي يصنعها مخرجون غير مشهورين والأفلام المتواضعة، بل السيئة، التي يصنعها مخرجون أكثر شهرة، خاصة الذين سبق لهم الفوز بجوائز "كان".
أكبر مثل على الحالة الأخيرة المخرج الأمريكي جاس فان سانت، الذي سبق له الفوز بجائزة السعفة الذهبية من المهرجان عن فيلمه "الفيل"، وهو بالمناسبة أفضل أفلامه، والوحيد من بينها الذي يمكن اعتباره "فيلما فنيا" كبيرا.
اسم فان سانت هو السبب الوحيد في اعتقادي لادراج فيلمه "بحر الأشجار" في مسابقة هذا العام. الفيلم الذي يشارك في بطولته ثلاثة من نجوم هوليوود الكبار هم ماثيو ماكنوهي وناومي واتس والياباني الأصل كين واتانابي، يدور في قالب ميلودرامي مفرط العاطفية حول رجل تموت زوجته في حادث سيارة أثناء ذهابها لاجراء عملية ولادة، يقرر أن ينتحر فيجد على الانترنت أن أفضل مكان في العالم للانتحار هو غابة تقع على حدود العاصمة اليابانية طوكيو، فيذهب إليها، وهناك، قبل أن ينتحر مباشرة يفاجأ بوجود رجل ياباني جريح وتائه يبحث عن طريق الخروج بعد أن فشل في الانتحار.
الفيلم مستوحى من وجود هذه الغابة فعلا، وانتحار عدد كبير من اليابانيين والأجانب داخلها خلال السنوات الأخيرة، ومع أن الفكرة رائعة، إلا أن المعالجة شديدة النمطية والسذاجة. وحين نقارن بين هذا الفيلم وفيلم "ابن شاول" مثلا، نكتشف مدى التفاهة التي تعاني منها معظم الانتاجات الأمريكية الضخمة مقارنة بالتجارب الفنية المذهلة في بلاد أخرى.
عصام زكريا يوميات
مبدع في الثمانين
من أهم أحداث "كان" هذا العام استضافة المخرج الأمريكي وودي آلان وعرض آخر أفلامه "رجل غير عقلاني" في القسم الرسمي خارج المسابقة. وقد حضر آلان، نادر الظهور في مثل هذه المناسبات، وأجرى مؤتمرا صحفيا وسار على السجادة الحمراء بصحبة بطلي فيلمه جواكين فونيكس وإيما ستون، وهو أكثر "نجم" تهافتت عليه الجماهير والكاميرات والصحافة حتى الآن.
كوميديان مسرحي ( مونولوجيست)، وعازف كلارينيت، ومؤلف مسرحيات شهيرة، وممثل في أفلام لم يخرجها أو يكتبها. هذه هي المهن الأقل شهرة لأسطورة السينما وودي آلان. المهن الأكثر شهرة هي كاتب سيناريو ومخرج وممثل في أفلامه.
يحتفل وودي آلان هذا العام بعيد ميلاده الثمانين ( من مواليد 1 ديسمبر 1935) كما يحتفل بمرور خمسين عاما على أول فيلم يحمل اسمه ككاتب سيناريو وهو "ما الجديد يا قطة؟" What’s new Bussycat? عام 1965، والذي قرر بعد مشاهدته أن يتحول إلى مخرج لكل أعماله، حتى لا يفسدها المخرجون الآخرون.
رشح وودي آلان لجائزة الأوسكار 24 مرة وحصل عليها أربع مرات، ثلاثة كأفضل كاتب سيناريو ومرة كأفضل مخرج عن فيلم "آني هول"، كما حصل على عشرات الجوائز المهمة الأخرى، على رأسها جائزة الأكاديمية البريطانية (بافتا) تسع مرات، ومنحه مهرجان "كان" منذ عدة سنوات سعفة ذهبية شرفية عن مجمل أعماله.
تأثر وودي آلان في بداية حياته الفنية بالسينما الأوربية والحركات الفنية التي ازدهرت فيها خلال الستينيات وبداية السبعينيات، وهو ما جعله بعيدا ومختلفا كثيرا عن السينما الهوليوودية التقليدية، كما جعله محبوبا ومقدرا في أوروبا أكثر من أمريكا، ومن المعروف أن شركات انتاج أوروبية تولت انتاج معظم أعماله الأخيرة، وآخر خبر سمعته عن اهتمام الأوربيين به هو إنشاء متحف يحمل اسمه ويضم مقتنياته وكل ما يتعلق به في مدينة برشلونة الإسبانية، حيث قام بصنع فيلمه "فيكي كريستينا برشلونة"!
من الطريف أن وودي آلان يبدو الآن أكثر نشاطا من أي وقت مضى في حياته الفنية، وهو يصنع فيلم جديد كل عام تقريبا، والطريف أنه لا يخيب أمل معجبيه أبدا، ودائما لديه جديد يقدمه. وهو ما ينطبق على فيلمه الأخير المشارك خارج المسابقة "رجل غير عقلاني".
الـ "رجل غير العقلاني" هنا، والذي يلعب دوره جواكين فونيكس، هو أستاذ للفلسفة يعاني من الاكتئاب ينتقل للتدريس في جامعة جديدة ويقع في الحيرة بين إمراتين، إحداهما أستاذة زميلته، تؤدي دورها بوزي باركر، تعاني من حياة زوجية تعيسة، وتحاول اقناعه بالدخول معها في علاقة والهرب معها، والأخرى طالبة جميلة ونابغة عنده، تؤدي دورها إيما ستون، تقع في حبه بفضل أرائه الفلسفية، وتحاول أيضا إقناعه بالدخول معها في علاقة، قبل أن يجد نفسه فجأة وقد تورط في جريمة قتل.
الفيلم وصاحبه يحتاجان إلى مقال آخر مفصل ربما تتسع له رسالة أخرى.

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية