الثلاثاء 27 يونيو 2017 م - 03 شوال 1438 هـ

عصام زكريا يكتب من كان مباشرة ً:فرنسا تتجاوز جراح الارهاب ببهجة السينما

الأحد 17/مايو/2015 - 02:00 م
عصام زكريا
 
عشرات النجوم ومئات من صناع الأفلام وآلاف الصحفيين من كل أنحاء العالم وعشرات الآلاف من الجمهور الفرنسي والوافدين، تجمعوا منذ مساء الأربعاء الماضي في مدينة "كان" الفرنسية، المطلة على الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط، ليحتفلوا ويشاركوا ويتابعوا بحرارة منقطعة النظير وقائع أكبر مهرجان سينمائي في العالم.
بدأت فعاليات المهرجان بعرض الفيلم الفرنسي "منتصب القامة" حسب العنوان الانجليزي، أو "مرفوع الرأس" أو "ارفع رأسك"، حسب العنوان الفرنسي، والذي تشارك في بطولته النجمة كاترين دي نيف.
الفيلم الذي ينتمي بوضوح للمدرسة الواقعية الاجتماعية التي اشتهرت بها السينما الفرنسية يتناسب جيدا مع أجواء المهرجان الجادة هذا العام، في ظل الظروف السياسية والاقتصادية المتأزمة في فرنسا وأوروبا منذ فترة، وفي أعقاب حادث "شارلي إبدو" الذي يخيم شبحه في الأجواء، وهو ما يمكن استشعاره في التواجد الأمني الكثيف حول المهرجان، بالرغم من أنه لا يتجاوز الحدود المعقولة أبدا، ولا يؤثر على حركة المهرجان وضيوفه ورواده، بل يمكن القول أنه متساهل كثيرا مقارنة ببلاد أخرى.
فيلم "ارفع رأسك" لا يمكن أن يوصف بأنه ردئ أو مخيب للآمال، ولكنه اختيار مثير للإنتباه لافتتاح مهرجان "كان" تحديدا. هو فيلم "عادي"، إجتماعي، تربوي، و"صائب سياسيا" كما يقول التعبير الانجليزي المعروف، أي أنه متصالح، بل وداعم للسياسة الفرنسية والأوروبية...وبالتحديد سياسات الأحزاب اليسارية التي تنادي بضرورة بذل مزيد من الجهد والمال في سبيل دمج الأجانب والمراهقين الذين يشكلون عبئا كبيرا على المجتمع بجنوحهم للجريمة أو للتطرف الديني أو السياسي، بدلا من التعامل مع المشكلة بوجهة نظر أمنية وعقابية.
هذه المشكلة تحولت إلى قنبلة موقوتة، وأحيانا متفجرة، كما شاهدنا العام الماضي في حادث الاعتداء الارهابي على مبنى صحيفة "شارلي إبدو" الذي أودى بحياة عدد من الصحفيين، أو في ظاهرة انضمام عدد من المراهقين والشباب صغار السن الأوربيين، أغلبهم من أبناء المهاجرين، إلى تنظيم "داعش"...وكذلك ارتفاع معدلات الانحراف بين المراهقين، من الادمان وحتى الجريمة، وزيادة عدد جرائم العنف، أو الجرائم المصحوبة بالعنف، التي يرتكبها مراهقون.
الفيلم من إخراج إيمانويل بيركو، وهي شابة لم تصنع من قبل سوى فيلما واحدا، وهي أيضا مؤلفة سيناريو الفيلم وصاحبة فكرته، اختارت أن تتناول الموضوع من زوايا غير نمطية، بعيدا عن ربط انحراف المراهق بالطبقة والعرق والبيئة، بالرغم من أن كل هذا موجود في الفيلم، ولكن بشكل طبيعي ودون التركيز عليه.

عصام زكريا يكتب من
 بيكرو التي قضت سنوات في البحث والاعداد للفيلم قالت أنها استلهمت الفكرة من فترة مراهقتها عندما أتيح لها أن تزور أحد أعمامها، وهو يعمل كأخصائي إجتماعي في مجال المراهقين، في "الإصلاحية" التي يعمل بها. وكلمة "إصلاحية" هنا مضللة ولا تعني على الاطلاق المعنى الكابوسي الذي يرد إلى ذهننا عندما نسمع الكلمة في مصر...لأن الجهد والصبر والمال الذي يبذل في هذه الإصلاحيات هنا لا يمكن وصفه أو تصديقه، بل ولا يمكن حتى تقبله في مصر لأن ثقافة العقاب والبطش متغلغلة في العقول.
بيكرو تأثرت جدا بزيارتها للإصلاحية، سواء بالمراهقين المنحرفين أنفسهم وأرواحهم المتمردة أو بالجهود الهائلة التي يبذلها الأخصائيون لوضع هؤلاء المراهقين على الطريق السوي لبدء حياتهم كراشدين، وظلت تحلم بصنع فيلم عنهم إلى أن واتتها الفرصة، من خلال شركة انتاج واعية وكريمة ومن خلال انضمام أكبر نجمة في فرنسا وهي الأسطورة كاترين دي نيف إلى فريق العمل لتلعب دور القاضية فلورانس بلاك، المتخصصة في مشاكل الأطفال والأحداث، في ثاني تعاون لها مع المخرجة بعد فيلمهما الأول "بطريقتي" الذي عرض منذ عامين.
اختارت بيكرو قصة مراهق فرنسي الأصل، ليس من المسلمين أو الأفارقة الذين يشكلون النسبة الأكبر من المراهقين المنحرفين، وذلك لابعاد الفيلم عن التناول النمطي "العنصري" للمشكلة، وتتبعت مسيرة حياته منذ أن كان طفلا عنيدا وعنيفا في السادسة من العمر وحتى وصوله إلى سن السابعة عشر. وقد اختارت مراهقا يمثل لأول مرة في حياته كان تلميذا في مدرسة صناعية يتعلم النجارة اسمه رود بارادو، لعب دور الشخصية الرئيسية ببراعة ملفتة.
مالوني، وهذا هو اسمه، يتيم الأب له أخ يصغره بسنوات، وأم جاهلة ومهملة ومتعددة العلاقات الجنسية، تلعب دورها سارة فورستير، التي تستطيع أن تقنعنا بأنوثتها وضعفها ولا مبالاتها المؤذية أيضا. مالوني يعشق قيادة السيارات التي يقوم بسرقتها ويعاني من نوبات من العنف والتصرفات الحمقاء التي يمكن أن تؤذي من حوله، تحاول القاضية تقويمه بلا كلل أو ملل، ودون جدوى تقريبا، على مدار أكثر من عشر سنوات، إلى أن تثمر جهودها في النهاية في وضعه على أول الطريق...يساعدها في ذلك أخصائي يلعب دوره الممثل بينوا ماجيميل، نعرف أنه كان في يوم ما مراهق جانح ساعدته المؤسسة على اجتياز متاعبه ليصبح شخصا سويا ونافعا للمجتمع.
الجميل في هذا الفيلم ليس فقط أنه يطرح أفكاره بطريقة غير مباشرة، كما يجب أن يكون في أي عمل فني جيد، ولكن الطريقة التي يلتف بها حول الموضوع.

عصام زكريا يكتب من
يطرح الفيلم قضية المهاجرين المسلمين والأفارقة من خلال زملاء مالوني في الإصلاحية، ومرة أخرى لا يتبادر إلى ذهنكم معنى الاصلاحية كما نعرفه في بلادنا التي يدخلها المراهق طفلا بريئا ويخرج منها مشوها نفسيا ومجرما محترفا. ويطرح فكرة أن أي إصلاح "رسمي" لا جدوى منه بدون وجود العطف والحب الحقيقي من قبل الأخصائيين، وبدون تجارب إنسانية وعاطفية يمر بها هؤلاء المراهقين تساهم في إعادة بناءهم النفسي.
يمر مالوني بعلاقة حب مع ابنة إحدى الأخصائيات، وطبعا لو حدث ذلك عندنا فإن العنصرية والطبقية ستفرض نفسها وسوف يتعرض هذا المراهق أسوأ عقاب يمكن تخيله، ولكن حتى بعد أن تحمل الفتاة منه، فإن الأم المكلومة تظل هادئة وقادرة على التعاطف مع الولد، وهو ما يكون له أكبر الأثر في نفسيته وقراره بأن يقوم سلوكه وحياته.
الفيلم مصنوع بحرفية شديدة، على الطريقة الكلاسيكية، في التصوير وأحجام اللقطات وحركة الكاميرا القريبة من الأفلام الوثائقية، مع بعض اللحظات الاستثنائية عندما يقوم مالوي بقيادة السيارات بجنون. نفس الاسلوب الهادئ نجده في أداء الممثلين الراقي بدون مبالغات من أي نوع، درامية أو سينمائية، والمشاعر المحسوبة بميزان الذهب. وعلى الرغم من أن فيلما مثل هذا يمكن أن يضج بعشرات المشاهد العاطفية الصاخبة والمبكية، إلا أن الفيلم يكاد يخلو منها، فهو يخاطب العقل والقلب معا، بدلا من الغدد الدمعية!

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية